مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

166

تفسير مقتنيات الدرر

قدّم سبحانه ذكر المنافقين على المشركين في مواضع من القرآن لأنّهم كانوا أشدّ على المؤمنين من الكافر وأضرّ عليهم لأنّ المؤمن يتوقّى الكافر في معاشرته ولكن يخالط المنافق لعدم علمه بنفاقه * ( [ الظَّانِّينَ بِاللَّه ِ ظَنَّ السَّوْءِ ] ) * ظنّ السوء ظنّهم أنّ اللَّه لا ينصر الرسول والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكّة ظافرين * ( [ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ] ) * أي ما يتربّصونه بالرسول والمؤمنين فهو حالق بهم ودائر عليهم . والسوء بالضمّ الهلاك والدمار وقرئ بالفتح أي الدائرة الَّتي يذمّونها ويسخطونها فهي عندهم دائرة سوء وعند المؤمنين دائرة صلاح وصدق وهل فرق بين السوء والسوء ؟ هما كالكره والكره والضعف والضعف من ساء إلَّا أنّ الفتح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمّه من كلّ شيء وإمّا السوء بالضمّ فمعناه جار مجرى الشرّ الَّذي هو نقيض الخير ، يقال : أراد به السوء وأراد به الخير ولذلك أضيف الظنّ إلى المفتوح لكونه مذموما وأمّا دائرة السوء بالضمّ فلأنّ الَّذي أصابهم مكروه وشدّة فصحّ أن يقع عليه اسم السوء كقوله تعالى : « إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً » « 1 » أو السوء المصدر والسوء الاسم وهو أيضا على التقرير المذكور وقيل : على قراءة الضمّ المراد دائرة العذاب وبالفتح المراد ما جعله للمؤمنين من قتلهم وغنيمة أموالهم قوله : * ( [ وَغَضِبَ اللَّه ُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ] ) * أي أبعدهم من رحمته * ( [ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ] ) * يجعلهم فيها * ( [ وَساءَتْ مَصِيراً ] ) * أي مآلا ومرجعا * ( [ وَلِلَّه ِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ] ) * وإنّما كرّر فذكرهم أوّلا لبيان الرحمة بالمؤمنين فقال بعده * ( [ وَكانَ اللَّه ُ عَزِيزاً حَكِيماً ] ) * والثاني لبيان العذاب على الكافرين فقال : « وَكانَ اللَّه ُ عَزِيزاً حَكِيماً » وفيه إشارة إلى ذكر العذاب ولذا ذكر العزّة كقوله : « أَلَيْسَ اللَّه ُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ » « 2 » وقال : « فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ » « 3 » ولا بأس بذكر بعض قصّة الحديبية وهي أنّ رسول اللَّه أمر في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلَّق مع المحلَّقين فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج فخرجوا من المدينة فلمّا نزل ذا الحليفة أحرموا بالعمرة وساقوا البدن وساق رسول اللَّه ستّة وستّين بدنة فأحرموا

--> ( 1 ) الأحزاب : 17 . ( 2 ) الزمر : 37 . ( 3 ) القمر : 42 .